fbpx

من عار جثسيماني إلى مجد القيامة

بقلم | د. ق. ماهر فضل الله

خرج يسوع من العلية مع التلاميذ مساء الخميس بعدما أكلوا الفصح، وغسل أرجلهم، ورسم وصية العشاء “كسر الخبز”، وسبحوا حسب عادتهم في الفصح من المزامير 115- 118. متوجهين إلى جبل الزيتون “شرق أورشليم” وعبروا إلى “وادي قدرون” _وهو وادِ عميق بين أورشليم وجبل الزيتون_ ثم دخلوا بستان جثسيماني التي تعني “معصرة الزيتون”. والذي كان يسوع معتاد الذهاب إليه مع تلاميذه، وكان يهوذا بصفته تلميذاً وعاش مع يسوع زمان كرازته عارفًا للبستان. وإذ نتأمل في أحداث تلك اللحظات لابد أن ندرك أننا نتمشى على أرض مقدّسة، وأي تعليق عليها لابد للمرء بأن يشعر بإحساس عظيم من الخشوع والسجود والرهبة والتحفّظ.

أشار يسوع بعد دخوله جثسيماني إلى ثمانية من تلاميذه الأحد عشر أن يجلسوا معه وينتظروا، ثمّ أخذ بطرس ويعقوب ويوحنا (مت26: 36، 37) وبعد عنهم نحو رمية حجر (لو 22: 41)، واوصاهم بالصلاة لعدم الدخول في تجربه. ولهذه الوصية فكرتان أولاً وصية عامه لحياتهم وحياة كل التابعين ليسوع في كل الأزمنة بأن الصلاة تمنع التجارب، ثانيًا وصية خاصة للتلاميذ في هذا التوقيت لأنهم داخلون على تجربة صعبه جداً وهي غربلتهم بناءاً علي طلبة الشيطان تلك من يسوع، التي لم يرفضها، لكنه صلى من أجلهم لكيلا يفنى إيمانهم (لو22: 31)، وكان اليوم صعب والمسيح عالم بكل ما سوف يحدث، ولكنه سار بخطوات واثقة نحو إتمام ما أتى من أجله وإتمام مشيئة الآب.

 كان يصلي يسوع في حزن شديد وبأشد لجاجة ومن شدة لجاجة الصلاة كان نزول قطرات العرق من جبينه كقطرات دم (لو22: 44). إن تلك اللحظات خير ما يعبّر عن المعنى الحقيقي العميق لكلمات ربنا حين قال: “لِي صِبْغَةٌ أَصْطَبِغُهَا وَكَيْفَ أَنْحَصِرُ حَتَّى تُكْمَلَ؟” (لوقا 12: 50). فمن المؤكّد أنّ هذا الحزن كان ناتجًا عن الهيجان العميق الذي ألمّ بنفسه وهو ينتظر صيرورته ذبيحة خطية من أجلنا. فنحن الخطاه عاجزون عن إدراك معنى أن يصير الذي لم يعرف الخطية خطية لأجلنا (2كو5: 21).

 صلي يسوع في جثسيماني طلبه واحدة ثلاث مرات “وَقَالَ: «يَا أَبَا الآبُ، كُلُّ شَيْءٍ مُسْتَطَاعٌ لَكَ، فَأَجِزْ عَنِّي هذِهِ الْكَأْسَ. وَلكِنْ لِيَكُنْ لاَ مَا أُرِيدُ أَنَا، بَلْ مَا تُرِيدُ أَنْتَ».” (مر13: 26) وفي هذه الطلبه ثلاث أجزاء1- تسبيح وتعظيم للآب، كل شيء مستطاع عند الله وهو يعمل المناسب لأنه الحكيم القدير. 2- طلب أن تعبر عنه هذه الكأس. 3- وإن كان ذلك غير مناسب لتكن إرادة الآب. وفي هذه الصلاة نتعلم ثلاثة أشياء يحتاجهم المصلي في صلاته: 1- البدء في الصلاة بتعظيم الله الحكيم القدير القادر على كل شيء. 2- تقديم الطلبة. 3- إعلان التسليم لمشيئة الله بالاستجابة أو تعديل الصلاة أو الرفض.

 كان يهوذا الخائن يعرف مكان البستان جيدًا فأتى ومعه جمع كثير بسيوف وعصي من عند رؤساء الكهنة وشيوخ الشعب، وكان قد أعطاهم علامة “الذي أقبله هو هو امسكوه” (مت26: 48). وقبل أن يتقدم يهوذا ويقبله خرج إليهم يسوع وهم عالم بكل ما سيأتي عليه فلم ينتظر الجند ليسألوه فبادر هو بالسؤال وقال: من تطلبون؟ فقالوا: يسوع الناصري فرجعوا إلى الوراء وسقطوا على الأرض (يو18: 7، 8)، ثم كانت العلامة “قبلة يهوذا” التي أصبحت ضرورية بعد ذلك لكي يصمت ويسكت كل المتشككين. ثم قال يسوع أن كنتم تطلبونني فدعوا هؤلاء يمضون، وذلك لتتميم الآية “لِيَتِمَّ الْقَوْلُ الَّذِي قَالَهُ: «إِنَّ الَّذِينَ أَعْطَيْتَنِي لَمْ أُهْلِكْ مِنْهُمْ أَحَدًا»”. وقول يسوع هذا لا يخص تلاميذه فقط لكنه وعد الرب لكل الأبناء المؤمنين به في كل العصور والازمنة حتى موتهم، وهذا القول يطمئن كل مؤمن أن عدم هلاكه معتمد علي يسوع وليس على مقدرته في حفظ نفسه، ولكن لا ننسى إن من يخطئ ويستبيح بعد الإيمان يؤدب من الرب في الجسد لعدم الدينونة مع العالم (1كو11: 32). وتقدم بطرس واستل سيفه وضرب عبد رئيس الكهنة وقطع أذنه ولكن شفاه يسوع (لو22: 51). وفي هذا المشهد _القبض عليه_ نرى يسوع ابن الله الذي أظهر لمحة من مجده حين قال “أنا هو” فرجعوا إلى الوراء ووقعوا، وحين لمس أذن عبد رئيس الكهنة “ملخس” وأبرئها.

 ترك التلاميذ يسوع وهربوا واختبئوا ولم يظهروا إلا بعد القيامة، باستثناء بطرس ويوحنا الذين تبعوا يسوع إلى دار “حنّان” حما قيافا رئيس الكهنة (يو18: 16)، وهناك تحقق قول يسوع في إنكار بطرس ليسوع ثلاث مرات قبل صياح الديك في الفجر فخرج بعدها وبكى بكاء مر (يو18: 17- 27). وظلت محاكمة يسوع وحده أمام مجمع اليهود في بيت رئيس الكهنة الذي عقد جلسة غير رسميه حتى فجر الجمعة وكانت غير شرعية حيث تشريع اليهود ينهي عن فحص أي جناية بالليل، كما كانت الشريعة الرومانية لا تسمح أن يصدر حكم قبل الفجر. وكان للمجمع وحده حق إصدار الأحكام في الدعاوى الجنائية، لكن في هذا الزمان نزعت الحكومة الرومانية منهم هذا الحق، وفي الصبح كانت المحاكمة الثانية السريعة أمام المجمع لكي يثبتوا حكم الليل بخلاف التشريع. والتي عقدت في المكان الرسمي في الهيكل فتشاروا لكي يمضوا به إلى بيلاطس البنطي الوالي الروماني (مت27: 1، 2)؛ (لو22: 66). وفحص بيلاطس يسوع ولم يجد فيه علة من جهة شكاية اليهود والذي أراد التنصل من إصدار الحكم على يسوع، فعندما سمع كلمة “الجليل” أرسله إلى هيرودس حاكم الجليل الذي فرح لرؤيه يسوع لأنه كان مشتاق من زمان أن يراه ولم يجب يسوع هيرودس بشيء، فاحتقره وألبسه رداءاً لامعاً ورده مره ثانية إلى بيلاطس. وكانت الشكوى كيدية وفحصه بيلاطس مرة أخرى في جلسة رسميه فلم يجد فيه علة (مت27: 19). وأقترح هيرودس أيضاً أن يؤدبه ثم يطلقه، فكان الصراخ يزاد بالمطالبة بالصلب، والإفراج عن باراباس كعادة كل عيد (لو23: 13- 23)، فغسل بيلاطس يده معلنا أنه برئ من دم يسوع البار (مت27: 24). فقال الشعب أن دمه عليهم وعلى أولادهم (مت27: 26)! وقد حصد اليهود من ذلك الوقت هذا الدعاء على أنفسهم وعلى أولادهم بدءاً من احتلال “تيطس” الروماني للمدينة وتدميرها كاملاً وتدمير الهيكل وتشتت اليهود.

  أسلم بيلاطس يسوع ليصلب وأخذه العسكر وجمعوا عليه كل الكتيبة فعروه وألبسوه رداءاً أرجوانياً ووضعوا عليه إكليل شوك وكانوا يضربونه على رأسه (مر15: 15- 17). ثم حمل يسوع الصليب إلى الموضع الذي يدعى الجمجمة وبالعبرانية “جلجثة”، وصلب بين لصين وكان يعير من الرؤساء، وكان الجند أيضا يستهزئون به ويقولون خلص آخرين فليخلص نفسه إن كان المسيح، وكان عنوان علته مكتوبه على الصليب “هذا هو ملك اليهود” (لو23: 33- 38). وأما أحد اللصوص المصلوبين معه رأى في يسوع رب، وله ملكوت عتيد أن يتم، وشهد عن صلاح المسيح الذي لم يفعل شيء في غير محله، فطلب من يسوع وقال ” اذْكُرْنِي يَارَبُّ مَتَى جِئْتَ فِي مَلَكُوتِكَ». فسمع أجمل كلمات من الرب يسوع التي يمكن أن تُسمَع “«الْحَقَّ أَقُولُ لَكَ: إِنَّكَ الْيَوْمَ تَكُونُ مَعِي فِي الْفِرْدَوْسِ»” (لو23: 39- 43). وحدثت زلزلة في كل الأرض وانشق حجاب الهيكل من الوسط ليعلن أحقية دخول المؤمن إلى الأقداس، لأن الدم سفك، فليس الدخول قاصراً على رئيس الكهنة مرة واحدة في العام (عب10: 19- 21). وكانت ظلمة على كل الأرض، وعطش يسوع وطلب أن يشرب فقدموا له خل، ثم نادى يسوع بصوت عظيم “قد أكمل” وأسلم الروح (يو19: 28- 30). وكفنه ودفنه يوسف الرامي تلميذ يسوع، وفي الغد “السبت” طلب الرؤساء من بيلاطس وضع حراسة على القبر وضبطه لئلا يسرق التلاميذ جسد يسوع ويقولون إنه قام (مت27:57- 65). وبهذه تُبطل كل نظام العبادة في العهد القديم من ذبائح حيث هو الذبيحة النهائية الكاملة الكافية التي قدمت عن كل العالم، ويبطل الكهنوت المنتمي إلى عائلة واحدة “نسل هارون”، فكل مؤمن في العهد القديم هو ملك وكاهن (رؤ1: 6)، ويقدمون ذبائح روحية، كالتسبيح وتوزيع الخير على الآخرين (عب13:15، 16).

  في فجر الأحد في أول الأسبوع قام يسوع من الأموات، وزحزح الملاك الحجر وجلس عليه، وهرب الحراس مرتعدين، وظهر للمريمات وللتلاميذ الأحد عشر ولكثيرين من تلاميذه الآخرين فقط، ولكنه لم يظهر للعالم (1كو15: 1- 8). وكسر شوكة الموت وغلبة الهاوية (1كو15: 55).

 وإلى مقال آخر لاحقاً عن موضوع الظهورات والصعود وحلول الروح.