fbpx

العهد المميت.. والعشاء الأخير

بقلم| د. ق. ماهر فضل الله

انتهت كرازة يسوع في وسط الجموع منذ يوم الجمعة السابق للصليب، واشتدت حرب الكلام والحوارات مع الكتبة والفريسيين خدام الشيطان. وقد كان ذلك تمهيدًا للحدث العظيم الذي أتى الرب من أجله وهو الصليب لفداء البشرية، فبعد حادثة الدخول الانتصاري إلى أورشليم، وتسبيح وهتاف الجموع “أوصنا” وغضب وغيظ الفريسين، رجع إلى بيت عنيا وبات هناك وفي الغد _يوم “الإثنين”_ خرج متجهاً إلى أورشليم (مر11: 11، 12). وفي الطريق كان جائعاً فنظر شجرة تين من بعيد وجاء إليها لعله يجد فيها شيئًا! ولم يجد بها إلا الورق فلعنها وقال: “«لاَ يَكُنْ مِنْكِ ثَمَرٌ بَعْدُ إِلَى الأَبَدِ!». فَيَبِسَتِ التِّينَةُ فِي الْحَالِ.”! ولتيبس التينة هنا له دلالات، فهي تمثل الأمة اليهودية التي كانت لديها آخر الفرص لتثمر في مدة الثلاث سنوات التي كان الرب يسوع فيها كارزاً لهم بملكوت الله والذي قدم أسمى التعاليم، وصنع أعظم المعجزات، ولكنها لم تؤمن به!. فلن يعد يأكل منها أحد إلى الأبد، فلن تعد هي الأمة الوحيدة التي تعرف الله وتعرفه لكل العالم فيقول الرسول يوحنا إنه أتى إلى خاصته “شجرة التين” وهي لم تقبله ولكن كل من قبله من كل الأمم واليهود أصبحوا أولاد الله (يو1: 11، 12). ويقدم سفر أعمال الرسل عن الذين قبلوا المسيح وانضموا للكنيسة في وحدة واحدة كل فئات المجتمع الموجودة في هذا الزمان، اليهود (أع2)، والسامرين (أع8)، والأمم (أع10). وبعد ذلك دخل الهيكل وأخرج جميع الذين يبيعون ويشترون وقلب موائد الصيارفة وكراسي باعة الحمام، ووضح لرؤساء الكهنة والكتبة مدى الجرم الذي فعلوه ببيته الذي هو مخصص للعبادة وتقديم الذبائح “لكل الأمم وليس لليهود فقط”، فجعلوه بيت للتجارة من أجل المصلحة الشخصية فأصبح كمغارة لصوص (مر11: 15- 17). وصنع الرب هناك أخر المعجزات فشفي عمي وعرج (مت21: 14)، وقد طهر الرب يسوع الهيكل مرتين في بداية خدمته (يو2: 12- 16) وفي نهايتها (مر11: 11- 14). وفي المساء رجع إلى بيت عنيا عند لعازر ومريم ومرثا وبات هناك (مر11: 19)، وفي الغد _الثلاثاء_ رجع إلى المدينة وكان يوم حافل باللقاءات والمجادلات مع الكهنة والكتبة والفريسيين والصدوقيين، وتقديم الأمثال التي وضح بها رفض الأمه. ففي الطريق شاهد التلاميذ أن التينة قد يبست فتذكر بطرس كلام يسوع وقال له أنظر التينة التي لعنتها قد يبست، فقدم الرب للتلاميذ أهم درس في أستجابة الصلاة وهو “الإيمان بالله والغفران للآخرين” (مر11: 20- 26). وفي ذلك اليوم أشتد الحوار بين الرب ورؤساء الكهنة، فبينما هو سائر في الطريق إلى الهيكل اقبلوا إليه يسألوه عما هو السلطان الذي معه؟ ومن أعطاه هذا السلطان لكي يقوم بهذا العمل (أي دخوله ظافرًا إلى أورشليم وتطهير الهيكل، ولعن شجرة التين). وكانوا يأملون في اصطياده مهما كانت إجابته، فإذا صرّح بأنّ له السلطان في ذاته كابن الله، اتّهموه بالتجديف. وإذا قال إنّ سلطانه من الناس، كذَّبوه. أما إذا صرّح بأنّ سلطانه من الله، فإنّهم يعترضون على ذلك لكونهم يعتبرون أنفسهم قادة الشعب الدينيين المعيَّنين من قِبَل الله. فوضعهم الرب يسوع في مأزق حيث رد عليهم أيضاً بسؤال إن أجابوا عليه أجاب هو وعرفهم عن السلطان وإن لم يجيبوا فهو لا يجيب ولا يُعرفهم عن السلطان فقال لهم: “مَعْمُودِيَّةُ يُوحَنَّا: مِنَ السَّمَاءِ كَانَتْ أَمْ مِنَ النَّاسِ؟ أَجِيبُونِي». فقالوا في أنفسهم إن قلنا من السماء يقول لماذا لم تؤمنوا بها، وأن قلنا من الناس نخاف الشعب لأن الشعب كان يؤمن أن يوحنا نبي! فقالوا لا نعلم فأجابهم يسوع “ولا أنا أقول لكم بأي سلطان أفعل هذا.”

ابتدأ يسوع يوضح القصاص الذي سيأتي عليهم نتيجة رفضهم له، فقدم لهم ثلاثة أمثال، مثل الابنين ليوضح لهم أن الذي يفعل مشيئة الآب هو “من يطيع” ليثبت رفضهم وفشلهم (مت21: 28- 33)، ومثل الكرامين الأشرار الذي قتلوا كل المرسلين إليهم وأخيرًا قتلوا الإبن الوحيد “يسوع” فعرفوا أنه يقول المثل عليهم فطلبوا أن يمسكوه ولم يقدروا لأن ساعة الصليب لم تأتي (مت21: 33- 45)، ومثل عرس ابن الملك ليعرفهم أن الباب سوف يغلق للرافضين ويفتح لكل من يقبل ويدخل (مت22: 1- 13).

لم ينتهي الجدال ههنا بل عاد الفريسيون يسألوه بعدما فشلوا في إيقاعه بسؤال السلطان، وكان الظن في هذه المرة إنه لا مخرج ولا نجاة ليسوع، فالسؤال صعب والإجابة أصعب!، فقالوا له: بصفتك أنك تعلم طريق حق الله ولا تنافق، هل يمكن إعطاء جزية لقيصر أم لا؟، نحتاج منك كلمة واحدة فقط “نعطي” أو “لا نعطي”. فعلم الرب ريائهم وأعطى إجابه _لم تخطر لهم على بال ولا على بال أي أنسان، فطلب دينار وأمسكه وقال: «أَعْطُوا مَا لِقَيْصَرَ لِقَيْصَرَ وَمَا ِللهِ للهِ»، فلما سمعوا تعجبوا ومضوا. وكانت الحوارات في هذا اليوم كثيرة فسأله الصدوقيون عن القيامة، وسأله ناموسي عن الوصية العظمة، وعاد يسوع وسألهم “عمن هو يسوع في نظركم؟” وأظهر ريائهم، ومدح عطاء الأرملة التي أعطت الفلسين، وختم الحوار بالتنبؤ عن موته عندما سأله اليونانيين عن آية، وجاء صوت من السماء ليمجده ويؤيد كلامه. ثم ترك الهيكل وعند مجيئه لجبل الزيتون سأله التلاميذ عن يوم مجيئه ثانية وشرح الأحداث، وأنهى كلامه أنه بعد يومين في الفصح سوف يُسلم للموت، ورجع إلى بيت عنيا ليبيت. وفي ذلك المساء تشاور أعداؤه واتفقوا مع يهوذا على تسليمه. وفي يوم الأربعاء بقي في بيت عنيا في شركة خاصة مع الآب، ومن المرجح أن تكون هي الصلاة المدونة في إنجيل يوحنا اصحاح 17.

يوم الخميس والعلية معدة ليحتفل الرب مع التلاميذ بعيد الفصح الأخير حيث سيصلب في الغد (يوم الجمعة). وقام الرب يسوع في هذا اليوم بعمل فعلين في غاية الأهمية مع التلاميذ خاصته، الفعل الأول فيما هم يأكلون الفصح قام يسوع عن العشاء وصب ماء في مغسل وغسل أرجل التلاميذ وعلمهم أهمية الاغتسال اليومي من الخطية بالإعتراف، وأن يغسل المؤمنين أرجل بعضم البعض بالغفران والقبول، وأن الغسل الكامل تم مرة واحدة أثناء الإيمان ولكن الحاجة فقط إلى غسل الرجلين وهي السلوك. ثم تكلم الرب بعدها أن واحداً منهم سوف يسلمه، فاحتاروا وبدأوا يتسألون “هل أنا يا رب؟”، فأجابهم الرب وقال “إنه من يغمس يده معي في الصحفة هو يسلمني” أي إنه واحداً من ضمن الآكلين معه، وهذا الأمر مكتوب “لكن ويل لهذا الرجل” والسبب أنه بعدما سلمه ندم وشنق نفسه ولم يتوب. والفعل الثاني رسم لهم وصية “عشاء الرب”، “كسر الخبز”، ” التناول”. ويشرح الرسول بولس في (1كو11: 17- 34) المفهوم لممارسة الوصية _والتي سوف نتناولها في مقال خاص منفردًا لاحقاً_ وبعد العشاء سبحوا ثم خرجوا ومضوا إلى جبل الزيتون. وهناك تكلم الرب معهم عن حالة الغربلة التي سوف يتعرضون لها حيث سيضرب الراعي وتتشتت الرعية، قال بطرس وإن شك فيك الجميع أنا لا أشك، فأنا البطل الشجاع القوي لا اشك، ولكن قال له الرب إنك أيها البطل الشجاع اليوم سوف تنكر ثلاث مرات أنك تعرفني وهكذا قال الجميع. وإلى مقال لاحق من جثسيماني إلي مجد القيامة.

أترككم لتتأملوا ذلك الحدث الجليل..