fbpx

“هوشعنا” سكب الطيب وسعف النخيل.. الأسبوع الأخير ليسوع

 بقلم| د. ق. ماهر فضل الله

قاربت حياة يسوع بالأرض علي الانتهاء، بعد كرازة دامت حوالي ثلاث سنوات من بعد المعمودية من يوحنا والتجربة على الجبل من إبليس الذي انتصر فيها انتصاراً ساحقاً وفارقه إبليس في خزي إلى حين (مت3: 13- 13)؛ (مر1: 9- 14)، حيث عادت إليه مرات أخرى كثيرة في أشكال عديدة في شخصيات الكتبة والفريسيون. وكان محور الكرازة “ملكوت الله” أي “ملك الله في داخل الإنسان”. وكانت حياة يسوع كارزًا من أجل الناس وللناس فكان يجول يصنع خيرًا ويشفي كل من تسلط عليه إبليس بمرض أو بقيد (أع10: 38)، حيث كانت الجموع منزعجة ومنطرحة كغنم بلا راعي (مت9: 36)، وأيضاً كان غرضه النهائي الموت من أجل الناس بمشيئة الآب ومن ذاته (يو10: 18).

كان اليوم الجمعة وبقي أسبوع واحد على الصليب الذي أتى الرب يسوع وتجسد من أجله، وسوف يترك خاصته التي التصق بها، ليرجع إلى الآب الذي أرسله، وكان الوقت مزدحم بالمشغولية ففي هذا الأسبوع لم ينشغل بالجموع كعادته حيث أنتهي من كرازته لهم، ولكنه أنشغل بخاصته. فقبل الفصح بستة أيام _أي يوم “الجمعة”_ كان متواجد في ضيافة سمعان الأبرص (مت26: 6- 13)؛ (مر14: 3) الذي شفاه من برصه حيث كان غير مسموح للأبرص التواجد بين الناس بحسب الشريعة (لا13: 45، 46)، وكان متواجد أيضاً لعازر الذي أقامه من الأموات، وكانت مرثا تخدم، وأما مريم فسكبت الطيب عند قدمي يسوع (يو12: 1- 3)، ونلاحظ اختلاف توقيت متى ومرقس عن توقيت يوحنا، فيدون يوحنا تسلسل الأحداث في يومه، وأما متي ومرقس فيدونا الحدث بالارتباط بغيظ التلاميذ من سكب الطيب على قدمي يسوع، وخيانة يهوذا الذي يذكر بعدها البشيرين أنه ذهب إلى رؤساء الكهنة ليسلمهم يسوع (مت26: 6- 16)؛ (مر14: 4- 11). وفي ضيافة هذه الأسرة المحبوبة إلى قلب الرب والذي كان دائماً يستريح عندهم، كانت هناك أربعة أفعال من أربع شخصيات، سمعان الأبرص الذي شفى من برصه رمزًا للتحرير من الخطية، ومن المرجح في بعض التقليد أنه أبو لعازر، وتقليد أخر أنه زوج مريم. ولعازر القائم من الأموات رمز لانتعاش المؤمن بعد القيامة من موت الخطية، ومرثا رمز لقلب الخادم، ومريم رمز لقلب الساجد.

 استراح الرب يوم السبت في بيت سمعان الأبرص وتعشى هناك، وفي الغد _أي يوم الأحد_ ذهب إلى أورشليم علانية (لو19: 28- 40)، وأرسل اثنين من تلاميذه إلى القرية التي أمامهم لبيت فلان فيجدا “جَحْشًا مَرْبُوطًا لَمْ يَجْلِسْ عَلَيْهِ أَحَدٌ مِنَ النَّاسِ قَطُّ. فيحلاه ويأتي بِهِ. وَإِنْ سَأَلَهمَا أَحَدٌ: لِمَاذَا تَحُّلاَنِهِ؟ فَيقُولا إِنَّ الرَّبَّ مُحْتَاجٌ إِلَيْهِ”. ويبدو أن الرب كان يعرف فلان صاحب الجحش معرفة شخصية، أو يمكن أنه قد حصل على بركة من الرب سابقاً بعمل معجزي أو بسماع كلمة غيرته وعرض عليه المساعدة عند الحاجة، وذلك برغم بغض الرؤساء ليسوع الذين أصدروا قراراً بطرد من المجمع أي إنسان يعترف بالمسيح (يو9: 22، 23). ونرى أيضاً في هذا المشهد سلطان الله المطلق على خليقته فالإنسان والحيوان يطيعانه. وأيضاً كان دخول الرب راكباً على الحمار، طالبًا السلام. فهكذا كانت العادة عند الملوك قديماً أنه إن دخل المدينة راكباً على حصان فهو للحرب وأن دخل المدينة راكباً على حمار فهو للسلام. ويذكر البشير متى أن الدخول بهذه الطريقة تتميماً للنبوة الواردة في نبوة (زكريا 9: 9) قبل الحدث ب 500 عام. ودخل الرب المدينة باحتفال كبير واستقبلته الجموع بسعوف النخيل، وكان البعض يفرش الثياب في الطريق، وعند منحدر جبل الزيتون ابتدأ جمهور التلاميذ يفرحون ويسبحون الله بصوت عظيم “أُوصَنَّا! مُبَارَكٌ الآتِي بِاسْمِ الرَّبِّ! مَلِكُ إِسْرَائِيلَ!» … سَلاَمٌ فِي السَّمَاءِ وَمَجْدٌ فِي الأَعَالِي!». ولكن هل أدرك الجمع أن يسوع هو ابن الله، والمسيّا المنتظر في إسرائيل؟ أم كانوا ينظروا ليجعلوه ملكاً يقودهم للخلاص من السيطرة الرومانية؟ أم كانوا محمولين بنشوة تلك الساعة التاريخية؟ ولكن برغم ذلك كان بعضهم تلاميذ ومؤمنين حقيقيين، وهتف الجميع بدون إرادة منهم “سلام في السماء” عوضًا عن “سلام على الأرض” ذلك لأنه لم يكن ممكنًا أن يحلّ السلام على الأرض بسبب رفض رئيس السلام والعزم على قتله في وقت قريب. لكن سيكون سلام في السماء نتيجة موت المسيح الوشيك على الصليب وصعوده إلى السماء.

يرمز سعوف النخل إلى الراحة والسلام بعد الحزن والأسى (رؤ7: 9). وأما القول «أوصنا» يعني “خلّص الآن … نحن نتوسّل إليك!” فقد كان الشعب يهتف ليسوع لإنقاذه من القساوة الرومانية، ولمنحهم الراحة والسلام بعد حزن كابدوه على مدى سنين طويلة من جراء سيطرة الأمم عليهم. وهكذا كانت فرحتهم، وهكذا ساروا ورائه!

تذمر الفريسيون وطالبوا يسوع بجعل تلاميذه يصمتون لكن وبخهم الرب بالقول إنه إن سكت هؤلاء فإن الحجارة تصرخ، كمن يقول للفريسيين أن الحجارة الصماء لينة عن قلوبكم القاسية، وختم الرب يسوع المشهد المفرح بدخوله المدينة كملك سلام “هتاف وفرح التلاميذ” والذي كان به يقدم العرض الأخير للأمة لكي تقبله، بعدما كرز في وسطهم ثلاث سنوات مقدماً لهم الكثير من الإثباتات أنه المسيا المنتظر لكن شر الأمة بزعامة الرؤساء جعل الغالبية يرفضون والقلة يتبعون. وكانت المحصلة هي 120 نفس فقط الموجودين في العلية أثناء حلول الروح القدس في يوم الخمسين. فبكى يسوع على المدينة!، على قساوة شعبه!، كما بكى على قبر لعازر مشاركًا أحزان الأحباء مريم ومرثا (يو11: 35)، وأمام دموع الرب علي قسوة الإنسان علينا أن ننحني خشوعاً وسجودًا وتمتلئ عيوننا بالدموع من أجل الرافضين. 

وفى الختام لابد لكل من يرفض عرض نعمة الله بالتوبة أن يحصد النتائج، ورفع الرب المرثاة الحزينة عالمًا بما سيحدث لهما من خراب لإنها لم تعرفا زمن افتقادها لكنه أخفى عليها بسبب قسوة القلب، وعمى الأذهان وأنه أتى إليها للسلام!، فسوف يرفع الرب يد الحماية عنهم ويحيط بهم الأعداء ويهدمونها وفي وسطها البنين (لو19: 42، 43)، وقد تم ذلك حرفياً ففي 70 ميلادية حاصرها تيطس الروماني في 9 نيسان ومنع عنها الإمدادات وقتل الالاف في عيد الفصح، وبنوا سدود حول المدينة وجوعوا السكان حتى امتلكوها جزءاً بعد جزء، حتى احتلت كل المدينة في أوائل أيلول، ودمروها بالكامل _الهيكل والمساكن_ وذبح العشرات من الناس. 

إذ نجد أنفسنا على مقربة من نفس الفترة التي عاشها رب المجد قبيل الصلب، نذكر أنفسنا بما عاشه المسيح وعمله وعلم به، بدخوله الانتصاري إلى أورشليم وما تلي ذلك من أحداث، وللحديث بقية.

كل عام وأنتم فى المجد والبركة.