fbpx

معلم الأجيال الأعظم

بقلم| ق. د. ماهر فضل الله

أقدم المقال الرابع والأخير في سلسلة موضوعات “التلمذة حياة”، تكلمنا في المقال السابق عن أهمية نقل التلمذة من معلم إلى تلاميذ، وكل تلميذ يصبح فيما بعد معلماً له تلاميذ، وهكذا تستمر التلمذة من جيل إلى جيل (2تي2: 2). لكن اليوم نتكلم عن أعظم مُعلِم ومُعلِم كل الأجيال “الرب يسوع”، الوحيد الذي وطأت قدماه الأرض ولم يكن في يوم من الأيام تلميذاً ولكنه ولد مُعلِماً. ففي عمر الاثنتي عشر كان جالساً في وسط المعلمين يسمعهم ويسألهم، وكل الذين سمِعوهُ بهتوا من فهمه وأجوبته (لو2: 47، 48).

يتفرد الرب يسوع بمفرده أمام كل المعلمين، ممن تلمذوا تلاميذ، فهو أعظمهم، وطريقته هي القدوة الأولى والأساسية للتلمذة. وقد كان اقتراب يسوع “الحنان” من الجموع مسدداً لهم كل احتياج، أولاً صنع قاعدة أساسية لتدريب التلاميذ، ثانياً أعد الطريق للتلاميذ ليسيروا على خطواته، ثالثاً جهز الجموع لإستقبال الكرازة بعد إتمام الخلاص (مت 9: 35- 37).

وأما طريقة التلمذة التي أرساها يسوع فهي:

أولاً التلمذة بالمحاكاة:

عاش التلاميذ مع الرب كل الوقت منذ أن اختارهم تلاميذاً له، فتمت تلمذتهم أولاً بالمحاكاة، الذي تعتبر أهم مبدأ في التلمذة! معايشة التلاميذ لمعلمهم ليتعلموا منه. فشاهدوه كيف يتصرف، وسمعوه كيف كان يتكلم بكل كلمة، مع كل الفئات، كبارًا، وصغارًا، أصدقاء، وأعداء، ومحايدين، وكيف يواجه الأعداء، وكيف يخدم، وكيف يصلي إلخ. فلم تكن تعاليم بغير خدمة عملية، أو عقيدة بلا سلوك (أع1: 1) وقد طوب الرب يسوع في الموعظة على الجبل من يعمل قبل أن يعلّم (مت 5: 19)

ثانياً تصحيح للتعليم الخطأ:

صحّح الرب يسوع كثيرًا من التعاليم الخطأ لليهود، لأن معلمي الشريعة قد أضافوا إلى التوراة كثيرًا من الشروحات الطويلة جداً والعديدة المقيّدة للحياة بصفة عامة لم يأمر بها الله وكتبوها في “التلمود والمشناة”. فقدم أساس ملكوته الجديد المختلف والمناقض لما يقّدمه هؤلاء المعلمين في شروحاتهم، لتقود كل من يقول ويقرأ أنه تلميذ، فهي تميّز رعايا الملكوت عن الآخرين، وذلك في الموعظة على الجبل، وقدّم نفسه بأنه أتى متتماً للناموس ولم ينقضه بل ما نقضه هو ما قدمه المعلمين من شروحات لا تطابق الشريعة بل تقيّدها. (مت5: 17)، فكان وجود يسوع وسطهم متمماً لكل الأنبياء الذين تنبأوا عنه فكان حضوره تكملة، أو خاتمة طُرق الله ومُعاملاته مع إسرائيل. (مت 33:21-44) وكشف عمق التعاليم وليس السطحية، وقدم التطبيق الروحي للناموس.

ثالثاً تعليم خاص على انفراد:

نظرًا لأهمية نضوج التلاميذ نفسياً وروحياً، فقد كان الرب كثيرا ما يعلّمهم أسرار الملكوت الجديد على انفراد بخلاف ما كان يقدمه للجموع وهم سامعون ومشاهدون (مر4: 10)؛ (مت13: 11)

رابعاً تدريب عملي:

درّب الرب يسوع التلاميذ الإثني عشر عملياً فأرسلهم كارزين وأعاطهم سلطان الشفاء وإخراج الشياطين (لو9: 1- 5) وأيضاً أرسل السبعين إلى المدن المجاورة ليعدوا له الطريق في كل مدينة وموضع كان ذاهب إليه (لو10:10- 12) والآن سيختبر التلاميذ والرسل ممارسة المبادئ التي كان الرب قد لقنهم إياها. ويتعلمون كيف يثقون به من جهة تسديد احتياجاتهم المادية، فكان عليهم ألاّ يحملوا معهم لا مزودًا، ولا طعامًا، ولا فضّة، بل يتكلون علي الرب الذي أرسلهم ودعمهم بأن من يرفضهم ينال عقاب أكثر مما نالت مدينة سدوم (لو10: 12)

خامساً قدم مفاهيم خاصة بالإرسالية لعدم التيهان:

ارسال الرب يسوع الإثنى عشر تلميذاً في إرسالية إلى المنطقة الشمالية (مت10)، وإرسالية السبعين الي المنطقة الجنوبية (لو10: 1- 12). وقدم لهم مفاهيم الإرسالية وحيث تعد تلك المفاهيم التي يسير عليها كل مرسل بصفة عامة في كل العصور، في كل زمان ومكان: 1- أرسل الرب يسوع الفعلة إثنين إثنين، فلا مجال للخدمة الفردية في عمل الرب، وطمأنهم بتعريفهم أن الروح القدس هو المتكلم فيهم (مت 10: 20)؛ (لو10: 1) وفي منطوق الإرسالية العظمى أكّد على وجوده كثالث معهم بصفة دائمة، في كل الأزمنة وفي كل الأماكن ومع كل المرسلين. (مت 28: 20). 2- حذّر الرب من صعاب في الإرسالية، حيث أنها تتجه إلى عالم معادي للمسيح وتابعيه، بسبب كراهية رئيسه _الشيطان_ للمسيح بصراع لا يتوقف (لو10: 3). 3- نبّه الرب المرسلين الاعتماد عليه فقال “لاَ تَحْمِلُوا كِيسًا وَلاَ مِزْوَدًا وَلاَ أَحْذِيَةً،” (لو10: 4). 4- حذّر الرب أيضاً من الإندماج مع العالم لعدم إضاعة الوقت الثمين (لو10: 4). 5- أوصى الرب الإقامة في البيوت التي يقبلوهم بصفتهم أهل للسلام (لو10: 5، 6). 6- أوصى الرب بقبول الضيافة، وأكل كل ما يُقدَّم لهم من طعام بلا تردد، لأنهم فعلة مستحقون أجرتهم، فهذا إكرام من جراء خدمتهم لله (لو10: 7، 8). 7- حذر الرب من التنقل من بيت إلى بيت للإقامة وللتنزه والترفه وليس للزيارات (لو10: 7). 8- شجّعهم الرب بعمل المعجزات، فالمدن والأفراد التي يقبلوهم، ينعمون برسالة الإنجيل، بالدخول إلى ملكوت الله، وشفاء أمراضهم (لو10: 9). 9- شجّعهم الرب أيضاً، فربط قبول الناس لهم بصفتهم كارزين، كقبول الناس للكرازة بالإنجيل، فمن لا يقبلهم مثل من لا يقبل رسالة الإنجيل، فإن أمر عدم القبول مرتبط بيسوع الذي أرسلهم، ولهذا فسوف يحملون دينونة رفض الرب، ومن المحتمل قد تكون رسالة المرسل إليها الأخيرة فتضيع عليه فرصة النجاة (لو10: 10- 12).

سادساً أجازهم في امتحانات لتغيَرَّ الفكر:

أجاز الرب يسوع التلاميذ في امتحانات مختلفة، ليفهموا مبادئ الملكوت، وليتغيّر تفكيرهم ليصبح كما يفكر هو، ففي معجزة تكثير الخمس أرغفة والسمكتين، أمتحن الرب يسوع فيلبس فقال له «مِنْ أَيْنَ نَبْتَاعُ خُبْزًا لِيَأْكُلَ هؤُلاَءِ؟» (يو6: 6)، ويدوّن (متي 14 :22- 33) في معجزة تهدئة العاصفة ومشي يسوع علي الماء ودعوة بطرس للمشي على الماء أيضاً، امتحان هام للتلاميذ لمعرفة من هو يسوع الذي يتبعونه، ففي ختام المعجزة قدموا إعترافهم لأول مرة بأن المسيح هو ابن الله (مت14: 33). وبالرجوع إلى المعجزات السابقة ليسوع وتفاعل التلاميذ والناس معها بتعجب وتساؤل “أي إنسان هذا؟!” (مت8: 27)؛ (مت9: 8).

سابعاً صنع المعجزات أمامهم:

صنع الرب يسوع المعجزات أمام التلاميذ، رفقاء الترحال: أ- ليعلن عن نفسه، بأنه المسيا بحسب النبوات من أتى لخلاص البشرية (لو4: 18، 19). ب- لأنه الحنّان المشفق على الجموع. ج- وليفهم التلاميذ دروسًا مهمة، وأيضاً كل تابعي المسيح في كل الأزمان، بأن الخدمة ليست أقوالاً وعظيه فقط، بل هي تسديد احتياج الناس بكل الوسائل المتاحة لدى الخادم. وتبين معجزات يسوع السمو المطلق للمسيح فهو ابن الله والايمان به يعطي حياة (يو20: 30، 31). وفي معجزات يسوع في إنجيل يوحنا نرى سلطان يسوع المطلق وله سبعة ملامح 1- سلطان علي النوعية فحوّل الماء إلى خمر في لحظة (يو2: 1-11). 2- سلطان يسوع علي المسافة حيث شفي ابن خادم الملك من على بعد أكثر من 20 ميل (يو4: 46- 54). 3- سلطان يسوع علي الزمن حيث شفي مريض بركة حسدا في لحظة بعد مرض دام 38 عام (يو5: 1- 9). 4- سلطان يسوع علي الكمية حيث ضاعف خمس أرغفة وسمكتين فأطعم بهما خمسة الآلاف رجل ما عدا النساء والأطفال وجمعوا الكسر اثنتي عشر قفة (يو6: 1- 14). 5- سلطان يسوع علي نواميس الطبيعة حيث مشي يسوع على الماء (يو6: 16- 21). 6- سلطان يسوع علي المحن والبلايا الناجمة عن سوء الحظ فشفي الأعمى منذ ولادته (يو9: 1- 34). 7- سلطان يسوع على أصعب الأمور في الحياة وهو “الموت” فأقام لعازر بعد أن مات وأنتن في القبر حيث تم دفنه منذ أربعة أيام (يو11: 1- 46).

ثامناً صلاة يسوع من أجلهم:

لقد حرص الرب يسوع على الإعداد الجيد للتلاميذ كما تكلمنا، لكي يخدموه بطريقة صحيحة، وينفذون عمله بطريقته، وليعيشون في وسط عالم مضطرب بعمل إبليس. فقد عمل الرب من أجلهم آمرًا هامًا جدًا جدًا، الأمر الأول هو وعدهم بإرسال الروح القدس ليسكن فيهم سكنى دائمة، (لو24: 49) وقد تم ذلك في يوم الخمسين (اع2)، فأُعطوا قوة وحكمة وبصيرة وفهم لأمور الله وإرشاد كيف ينفذون كلامه. والأمر الثاني صلّي من أجلهم متشفعاً وأيضاً من أجل كل تابعيه المؤمنين به على مر العصور (يو17).

ختاماً التلمذة هي طريقة الله لنهضة حياة المؤمن وعلاجه الروحي والنفسي ونهضة ونمو الكنيسة.

اتركم في رعاية القدير تلاميذ ثم معلمين، ومعلمين ثم تلاميذ إلى مجيء الرب. آمين.

انتظروا المقال القادم..