fbpx

“المحبة”.. عظة بطريرك الكاثوليك في خميس العهد

ألقى البطريرك الأنبا إبراهيم إسحق، بطريرك الأقباط الكاثوليك فى مصر، عظة اليوم خميس العهد، وبدأ عظته الروحية قائلا: “محبة الله الآب ونعمة الابن الوحيد وعطية الروح القدس تكون مع جميعكم”.
وتابع بطريرك الكاثوليك: “على هذا تقوم المحبَّة، هو أَنَّه لَسنا نحنُ أحببنا الله، بل هو نفسه أحبَّنا أوَّلًا …” (١يو٤: ١٠)
نحتفلُ اليومَ بخميسِ العهدِ أو خميس الأسرار، لأنَّ فيه أسسَ المسيحُ سري الإفخارستيا والكهنوت، وأسسَ سرَّ الكنيسة الَّتي تنموّ بالإفخارستيا كي تبلغَ ملء قامة المسيح.
يضطر معظمنا إلى البقاء في المنزل دون المشاركة في الاحتفال الإفخارستيّ وهو قلب الكنيسة وسرّ الشَّفاء. وفي هذا الوقت لا نستطيع القيام بالاحتفال معًا كجماعة مرئيَّة، لذلك دعونا نفعل ذلك ككنيسة منزليَّة، داخل الأسرة لكي نبدأ مسيرتنا الكنسيَّة، فيما بعد، بعزم وروحٍ متجددة.
عادة في هذا اليوم غالبًا يكون الكلام عن الأسرار الإفخارستيا والكهنوت. وأيضًا غسل الأرجل والخدمة والتواضع. كل هذه في الواقع أصلها المحبَّة وهي ثمارها فالمسيحيَّة ليست مجموعة أوامر ونواه ولكنَّها شريعة المحبَّة الَّتي هي بمثابة القلب من الإيمان والحياةِ المسيحيَّةِ.
لذلك أتأمَّلُ معكم حول وصية المحبَّة، الَّتي يوصي بها يسوع تلاميذه وإيانا جميعًا. “وَصِيَّةً جَديدَة أُعْطيكم: أَحِبُّوا بَعضُكم بَعضاً. كما أَحبَبتُكم أنا أَحِبُّوا أَنتُم أَيضاً بَعَضُكم بَعْضاً” (يو13: 34).
المحبَّةُ هي الفضيلةُ الإلهيَّةُ الَّتي بها نُحبُّ اللهَ فوق كلّ شيء لأجلِ ذاته، ونُحبُّ القريبَ كأنفسنا لأجلِ الله. ويصف الرَّبّ يسوع هاتين الوصيتين بأنَّهما أعظم الوصايا وبهما يتعلَّق النَّاموس كلّه والأنبياء.
فهناك رباطٌ وثيقٌ بين محبَّة الله ومحبَّة القريب، فهما وصيةٌ واحدةٌ، “إِذا قالَ أَحَد: «إِنِّي أُحِبُّ الله» وهو يُبغِضُ أَخاه كانَ كاذِبًا، لأَنَّ الَّذي لا يُحِبُّ أَخاه وهو يَراه، لا يَستَطيعُ أَن يُحِبَّ اللهَ وهو لا يَراه” (1يو4: 20).
1-المسيح النَّموذج والمثال
إنَّ المسيح هو كلمةُ الله وحبّه المتجسِّد الَّذي أحبَّنا أقصى الحبّ حتَّى بذل حياته من أجلنا، “وقبلَ عيدِ الفِصح، كانَ يسوعُ يَعَلمُ بِأَنْ قد أَتَت ساعَةُ انتِقالِه عن هذا العالَمِ إِلى أَبيه، وكانَ قد أَحَبَّ خاصَّتَه الَّذينَ في العالَم، فَبَلَغَ بِه الحُبُّ لَهم إِلى أَقْصى حُدودِه”. (يو13: 1)
وما تأسيس سر الإفخارستيا وحدث غسل الأرجل الا تأكيدٌ لحبِّ المسيح الغير محدود وتحقيقٌ لسرّ بذل ذاته، فهو صاحب المبادرة دومًا.
“على هذا تقوم المحبَّة، هو أَنَّه لَسنا نحنُ أحببنا الله، بل هو نفسه أحبَّنا أوَّلًا …” (١يو٤: ١٠) “والله برهن على محبَّته لنا بأنَّ المسيح قد مات عنَّا ونحن بعد خطأة”(رو٥: ٨)
ابن البشر لم يأت ليوزع أحكامًا على النَّاس، بل ليطلب ويخلِّص ما قد هلك. لذلك يرى كلَّ النَّاس أخوةً، ومحبُّته تشمل كلَّ إنسان مهما قال النَّاس. فيسوع لا يعترف بالحواجز بين البشر ولا بتقسيمهم إلى فئات، فليس هناك من شخص لا يحبُّه أو لا يدخل بيته.
وكانت حياة المسيح كلّها على الأرضِ، كلماته وأعماله وتعاليمه، حبًّا خالصًا ومجانيًّا. يكفي أن نلاحظ تصرُّف الأشخاص الَّذين التقاهم وتابوا وتغيَّروا مثل: زكا والسَّامريَّة ومريم المجدليَّة واللص اليمين وغيرهم. فقد اكتشفوا أنَّهم خطأة يوم شعروا بنظرة المسيح أنَّها لم تكن نظرة لوم أو تهديد ولا دينونة، بل كانت نظرةً ملؤها الحبّ والاحترام والتَّشجيع.
٢-بهذا يعرفون أنكم تلاميذي إذا كنتم تحبون بعضكم بعضًا (يو١٣: ٣٥)
الحبُّ هو الدُّعامةُ الأساسيَّةُ لحياةِ البشرِ، ففي كلِّ نشاطٍ إنسانيّ شيءٌ من أشكال الحبّ، لا بل يمكن القول إنَّ سبب مصائب كثيرة في كوكبنا الأرضيّ هي نتيجة انحراف الحبِّ وجنوحه وجهالاته.
فما هي أسباب الحروب والخلافات والخصامات؟ أليست هي إخفاق في الحبِّ؟! أو نتيجة حبّ الذَّات على حساب الآخرين؟!
إنَّ ممارسة المحبَّة في الحقيقة أمرٌ علينا أن نتعلَّمه. لكنَّ الحبّ لا يتفتح ولا يصل إلى قمَّته في الإنسان المجروح السَّاقط بل في الإنسان المـُفتدى بالمسيح. “لأنَّ المحبَّة هي من الله” (١يو٤: ٧) وأفيضت في قلوبنا بالرّوح القدس الَّذي أُعطيناه” (رو ٥:٥).
يدعونا يسوع إلى اتبّاعه وإلى خلع ثوب الاكتفاء بالذَّات والكبرياء الَّتي تدَّعي القدرة على القيام بكلِّ شيءٍ بمفردنا دون الحاجة إلى أحد. “فقَد جَعَلتُ لَكُم مِن نَفْسي قُدوَةً لِتَصنَعوا أَنتُم أَيضاً ما صَنَعتُ إِلَيكم” (يو13: 15).
كما يدعونا إلى أن نأتزر بمنديل الخدمة المتواضعة وبذل الذَّات، ولنقرّ أننا بحاجة إلى أن يغسل المسيح أقدامنا ويُعيدَ إلينا طهارتنا.
المحبَّةُ ليست مفهومًا نظريًّا، ولا هي مجرَّد عواطف ومشاعر وكلمات فما أكثر وأرخص هذا النَّوع من المحبَّةِ. فالإيمان بالمسيح ليس فقط الامتناع عن أمور نهانا الله عنها ولكنَّه عمل إيجابيّ لصالح الأخرين وخاصّةً المحتاجين الَّذين يلقبهم يسوع بأخوته الصِّغار.
يؤكد يسوع ذلك في كلامه عن الدَّينونة، فيقول للذين عن يمينه: “لأنَّي جعت فأطعمتموني” (متى ٢٥: 36)، وللذين عن يساره: “لأنَّي جعت فما أطعمتموني” (مت25: 42). وتُؤكد ذلك الأم تريزا بقولها: “في ختام حياتنا سندان على المحبِّة ومقياس هذه الدينونة هو فعل المحبَّة أو غيابه”. ليس هناك محبَّة حقيقيَّة دون بذل وعطاء وتضحية، فالمحبَّة موسومة بعلامة الصَّليب.
٣-تأصَّلوا في المحبَّة (أف ٣:١٧)
يطلبُ القدِّيس بولس في صلاته، لأجل كنيسة أفسس، أنْ يسكن المسيح في قلوبهم…حتَّى إذا رسخوا في المحبَّة أمكنهم أن يعرفوا محبَّة المسيح الَّتي تفوق كلّ معرفة فيمتلئوا بكلِّ ما في الله من ملء. إنَّنا مدعوون أن نحبّ كما أحبَّنا المسيح، وأن نلتزم بعالمٍ جديد بدايته في الرَّبّ القائم من الموت ونموذجه هو المحبَّة المجانيَّة على مثاله.
ولكي نصل إلى هذا الهدف، هناك بعض الأمور المُساعدة. فإذا أردت أن تُحبّ:

  1. أمن أنَّك محبوب من الله مجانًا.
  2. كن وديعًا ومتواضعًا، واعرف نفسك ونقاط ضعفك.
  3. تعلَّم كيف تُعبِّر عن محبَّتك بالأفعال قبل الكلام.
  4. تعرَّف على الأخرين وانظر إليهم نظرةً جددها الإيمان، فتكتشف نقاطهم الإيجابيَّة، فتساعدك على فهمهم بطريقةٍ أفضل.
    أيُّها الأبناء الأحباء، كم نحن في حاجة ماسّة إلى الإيمان بحبِّ الله لنا، وهو حبٌّ شخصي لكلِّ واحد منَّا باسمه، فهذا هو أساس وانطلاق محبّتنا للحياة وللقريب. وكما تقول القدِّيسة تريزا الطِّفل يسوع: “المحبَّة هي أن نُعطي كلّ شيء، وأن نُعطي ذواتنا.
    ختامًا أدعوكم لنُصلي معًا ونطلب مع الكنيسة: “قلب المحبَّة الواحد فليتأصل فينا”. أمين